مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
204
موسوعه أصول الفقه المقارن
الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي يمكن أن يقع على نحوين : النحو الأول : الاحتياط المستلزم للتكرار . كما إذا اشتبهت القبلة على المكلّف وصلّى إلى جهاتها الأربع ، فقد أشكل هنا على الاحتياط المذكور ، بأ نّه عبث ولعب بأمر المولى بنظر العرف والشرع ، وهو مانع من تحقق القربة المعتبرة في العبادة ، فإنّ الذي يتمكن من الإتيان بصلاة واحدة تحرز الواقع لا يكون له مبرّر بالإتيان بعدّة صلوات مرددة لإحراز الواقع ، وهو خلاف سيرة المتشرعة أيضاً « 1 » . ونوقش في الإشكال المذكور بمناقشتين : الأولى : بأ نّه يمكن أن يكون التكرار ناشئاً من وجود غرض عقلائي ومعه لا يكون عبثاً « 2 » . الثانية : أنّ اللعب والعبث على تقدير تسليمه ، إنّما هو حاصل في كيفية الامتثال لا في نفس الامتثال « 3 » . النحو الثاني : الاحتياط الذي يستلزم التكرار وعدمه . والاحتياط في هذا النحو يمكن أن يقع على صورتين : الصورة الأولى : الاحتياط في العقود والايقاعات . فقد استشكل الشيخ الأنصاري في صحة الاحتياط بين عدّة صيغ في العقود والايقاعات ، باعتبار أنّه يستلزم الاخلال بالجزم المعتبر فيها ؛ لأنّ المحتاط متردّد في صحة صيغة بعينها ، وهذا التردد ينافي الجزم المعتبر في العقود والايقاعات « 4 » . ونوقش في الاستشكال المذكور ، بأنّ الترديد الذي يوجب الاخلال بالجزم المعتبر في المعاملات هو ما كان بمعنى التعليق ، وأمّا الترديد في ما هو السبب الممضى شرعاً ، فهو لا يوجب الاخلال بالجزم المذكور « 5 » . الصورة الثانية : الاحتياط في العبادات . لا إشكال في حسن الاحتياط في العبادات مع عدم تنجّز الواقع على المكلّف ، كما في موارد الشبهات البدوية بعد الفحص ، والشبهات الموضوعية مطلقاً « 6 » . أمّا مع تنجّز الواقع على المكلّف ، كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص وموارد العلم الإجمالي ، فقد استشكل على الاحتياط في العبادات فيه ؛ باعتبار أنّه ينافي قصد الوجه والجزم في النية المعتبرين في العبادة ، حيث إنّهما متوقّفان على امتثال أمر الشارع تفصيلًا لا إجمالًا « 7 » . ونوقش فيه : بأ نّه لا دليل عقلًا ولا شرعاً على اعتبار قصد الوجه أو الجزم بالنية في العبادات « 8 » . هذا وإن قصد الوجه على تقدير اعتباره ، إنّما يكون مع التمكّن منه ، ومع تعذّره لا يعتبر « 9 » . المقام الثالث : الاحتياط فيما قامت الأمارة على خلافه . فقد استشكل في الاحتياط هنا باعتبار أنّ العمل به يؤدي إلى طرح الأمارة وعدم العمل بها ، وعدم إلغاء احتمال الخلاف الذي دلّ دليل اعتبار الأمارة على عدم الاعتناء به عند قيامها « 10 » .
--> ( 1 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 409 . ( 2 ) . انظر : كفاية الأصول : 374 ، تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 412 - 413 ، مصباح الأصول 2 : 83 . ( 3 ) . انظر : المصادر السابقة . ( 4 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 78 . ( 5 ) . المصدر السابق . ( 6 ) . المصدر نفسه : 79 . ( 7 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 405 - 406 . ( 8 ) . انظر : تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 413 ، مصباح الأصول 2 : 79 - 80 . ( 9 ) . أجود التقريرات 3 : 354 . ( 10 ) . انظر : تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 414 .